ابن ميثم البحراني
35
شرح نهج البلاغة
ووجه الشبه فيها إحاطة القبّة المضروبة بمن فيها ، أو لزوم قلَّة العقل له كلزوم الطين المضروب على الحائط . ويحتمل أن يراد بالأسهاب كثرة الكلام من غير فائدة فإنّ الإنسان حال الخوف والذلّ كثيرا ما يخبط في القول ويكثر من غير إصابة فيه . وكذلك لحوق باقي الأمور به كإدالة الحقّ منه ، وغلبة العدوّ له ، وعدم انتصافه منه أمر ظاهر عن ترك جهاد عدوّه مع التمكن من ذلك . وهى أمور منفور عنها طبعا ومضرّة بحال من تلحقه في الدارين . وقد ورد في التنزيل الإلهيّ من فضل الجهاد والحثّ عليه أمور كثيرة كقوله تعالى « لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً » إلى قوله « فَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً » ( 1 ) وقوله « وَجاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهادِهِ » ( 2 ) وقوله « وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ » ( 3 ) ونحو ذلك . قوله : ألا وإنّي قد دعوتكم . إلخ . لمّا ذكر صدر الخطبة أردفه بتفصيل غرضه ممّا أجمله فيه وهو حثّهم على الجهاد وتوبيخهم على تركه . فنبّهم أوّلا على ما كان دعاهم إليه قبل من قتال معاوية وأصحابه مرارا كثيرة ، وذكَّرهم نصيحة السابقة لهم في أمرهم بغزو عدوّهم قبل أن يغزوهم ، ويذكَّرهم بما كان أعلمهم أوّلا من القاعدة الكلَّيّة المعلومة بالتجربة والبرهان وهو أنّه ما غزى قوم قطَّ في عقر دارهم إلَّا ذلَّوا . وقد أشرنا إلى علَّة ذلك : وهو أنّ للأوهام أفعالا عجيبة في الأبدان تارة بزيادة القوّة وتارة بنقصانها حتّى أنّ الوهم ربّما كان سببا لمرض الصحيح لتوهّمه المرض ، وبالعكس . فكان السبب في ذلّ من غزى في داره وإن كان معروفا بالشجاعة هو الأوهام : إمّا أوهامهم فلأنّها تحكم بأنّها لم تقدم على غزوهم إلَّا لقوّة غازيهم ، واعتقادهم فيهم الضعف بالنسبة إليهم . فينفعل إذن نفوسهم عن تلك الأوهام وتنقهر عن المقاومة وتضعف عن الانبعاث وتزول غيرتها وحميّتها . فتحصل على طرف رذيلة الذلّ ، وإمّا أوهام غيرهم فلأنّ الغزو الَّذي يلحقهم يكون باعثا لكثير الأوهام على الحكم بضعفهم ومحرّكا لطمع كلّ طامع فيهم . فيثير ذلك لهم أحكاما وهميّة بعجزهم عن المقاومة . ثمّ إنّه أردف ذلك بما قابلوا به نّصيحته من
--> ( 1 ) 4 - 97 ( 2 ) 23 - 77 ( 3 ) 29 - 5